رصد تحليل لمعهد القدس للاستراتيجية والأمن، تعرض السلام بين إسرائيل ومصر والأردن لضغوط متزايدة، في ظل تغير التحالفات الإقليمية، لكن المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية المشتركة لا تزال تفضل استمرار التعاون.
وقال التقرير، إنه بينما لا تزال إسرائيل تواجه تحديات على عدة جبهات، يجب عليها أيضًا أن تراقب علاقاتها مع مصر والأردن، وهما شريكاها في السلام منذ أطول فترة.
ويواجه كلا البلدين ضغوطًا داخلية وإقليمية، وبعض سياساتهما الأخيرة مثيرة للقلق من وجهة نظر إسرائيل. ومع ذلك، يرى التقرير أنه لا يوجد سبب في الوقت الراهن لتوقع انهيار اتفاقيات السلام أو لجوء أي من البلدين إلى المواجهة العسكرية.
واستمرت العلاقات بين إسرائيل ومصر والأردن، لا سيما في مجالي الأمن والبنية التحتية، على الرغم من استمرار العداء الشعبي الشديد. وفي الوقت نفسه، تسعى تركيا وقطر وباكستان والسعودية إلى إعادة تشكيل التوازن الإقليمي وتقريب مصر والأردن من فلكها.
لم تنضم مصر إلى اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في مكة، وتؤكد أنها تحافظ على سياسة متوازنة، إلا أن تعاونها العسكري مع تركيا يتعمق. قبل بضع سنوات فقط، كانت القاهرة تنظر إلى أنقرة كمنافس أيديولوجي واستراتيجي جاد. وتسعى تركيا الآن إلى ضم مصر إلى تحالف أطلق عليه البعض اسم "ستيب"، وهو اختصار لأسماء السعودية وتركيا ومصر وباكستان.
وفي غضون ذلك، تقارب الأردن من النظام الجديد في سوريا واتخذ مواقف في الساحة الدولية تعتبرها إسرائيل إشكالية بشكل متزايد، كما يشير التقرير.
ومع ذلك، قال إن إسرائيل لا تزال تشترك في مصالح مهمة مع كلا البلدين. فقد سعت طهران منذ فترة طويلة إلى زعزعة استقرار الأردن وتحويل الضفة الغربية إلى "غزة ثانية"، بينما تندرج الهجمات على البنية التحتية للطاقة المصرية ضمن مساعيها الأوسع نطاقًا لتعطيل اقتصاد الطاقة العالمي، وفق زعمه.
كما تشترك مصر والأردن مع إسرائيل في مصلحتهما المتمثلة في منع حماس من إعادة بناء موقعها في غزة أو السيطرة على السلطة الفلسطينية.
لا يزال كلا البلدين يعتمد جزئيًا على روابط البنية التحتية مع إسرائيل. فالأردن يعتمد على إمدادات المياه الإسرائيلية، بينما تتلقى مصر الغاز الإسرائيلي. كما تستفيد مصر من الصادرات إلى الولايات المتحدة بموجب اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز)، التي تشترط استخدام مدخلات إسرائيلية في الإنتاج الصناعي المصري.
السلام البارد
وفق التقرير، فإنه لا تزال علاقات إسرائيل مع مصر والأردن مختلفة تمامًا عن علاقاتها الأكثر دفئًا مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب في ظل الاتفاقيات الإبراهيمية. أما مع القاهرة وعمّان، فتقتصر العلاقات إلى حد كبير على الشؤون الحكومية والأمنية وقنوات تجارية محدودة.
وأشار إلى أنه لا تزال العداوة الشعبية قوية في كلا البلدين، وقد تعززت بفعل الحرب الحالية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات المهنية التي تعارض التطبيع. ومع ذلك، يستمر التعاون حيثما توجد مصالح عملية لدى كلا الجانبين.
وفقًا لتقديرات التقرير، يُغطي الغاز الإسرائيلي حاليًا نحو سدس الاستهلاك الوطني المصري، ويساهم في دعم اقتصادٍ يواجه ضغوطًا شديدة. وبموجب إطار المناطق الصناعية المؤهلة، يحتفظ المصنّعون المصريون أيضًا بحقهم في الاستفادة من مزايا التعريفات الجمركية الأمريكية عندما تحتوي منتجاتهم على نسبة محددة من المدخلات الإسرائيلية.
ولدى الأردن اتفاقية تجارة حرة خاصة به مع الولايات المتحدة، إلا أن المياه لا تزال تشكل نقطة اعتماد رئيسية. فالمملكة تعاني من موارد مائية محدودة للغاية، في حين يتزايد عدد سكانها بوتيرة متسارعة. ولذلك، تظل ترتيبات المياه المنصوص عليها في معاهدة السلام والاتفاقيات اللاحقة ذات أهمية بالغة.
تُدير السفارتان الإسرائيليتان في مصر والأردن أعمالهما بشكل رئيس من القدس بسبب التهديدات الأمنية، إلا أن الاتصالات الأمنية والاستخباراتية لا تزال نشطة. كما يشارك ممثلون مصريون وأردنيون في مركز التنسيق المدني العسكري في "كريات جات" تحت مظلة أمريكية، بما في ذلك التنسيق بشأن قوة الاستقرار الدولية المزمع إنشاؤها في غزة.
مصر: الاحتكاكات والمصالح المشتركة
وبحسب التقرير، فإنه لم تتغير المواقف الدبلوماسية الأساسية لمصر تجاه إسرائيل. فما زالت القاهرة تؤكد على حقوق الفلسطينيين، وتنتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتدعو دوريًا إلى فتح المنشآت النووية الإسرائيلية للتفتيش. وفي المحافل الدولية، غالبًا ما تدعم مصر أو تقود مبادرات تنتقد إسرائيل.
أما الشاغل الأكثر إلحاحًا فهو إمكانية انضمام مصر في نهاية المطاف إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة في 7 أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان. وشاركت مصر بالفعل في مناورات عسكرية مع تركيا، واتخذ البلدان موقفًا مشتركًا معارضًا للوجود الاستراتيجي الإسرائيلي في أرض الصومال.
قد تُثير هذه الخطوة تساؤلات حول التزامات مصر بموجب معاهدة السلام لعام 1979، بما في ذلك البند الذي يُعطي هذه المعاهدة الأولوية على الالتزامات الأخرى. وقد تفاقمت بعض المخاوف في إسرائيل بفعل جهات خارجية مثل قطر، ولكن لا يوجد ما يُشير إلى أن مصر تُحضّر لهجوم مُفاجئ أو تسعى لانتهاك المعاهدة. مع ذلك، فإن تعميق العلاقات مع تركيا يستدعي اهتمامًا دقيقًا.
لا تزال مصر وإسرائيل تتشاركان مصالح استراتيجية هامة. واعتبر التقرير أن الهجوم على منشأة الغاز في دمياط- والذي اتهم إيران بالضلوع فيه- أظهر أن مصر أصبحت هدفًا لجهود طهران الرامية إلى زعزعة استقرار اقتصاد الطاقة العالمي. ولدى إسرائيل مصلحة مباشرة في منع هجمات مماثلة نظرًا لعلاقاتها الوطيدة في مجال الطاقة مع مصر.
كما يرى التقرير أن تجدد نشاط الحوثيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يشكل تهديدًا لكلا البلدين. فبالنسبة لمصر، يُلحق تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس ضررًا بمصدر رئيس للعملة الأجنبية. أما بالنسبة لإسرائيل، فيُهدد ذلك طرق الشحن الاستراتيجية. وقد تجنبت مصر حتى الآن التدخل المباشر ضد الحوثيين، لكن تجدد القتال في اليمن قد يُغير حساباتها.
وتُعدّ غزة منطقة أخرى تتداخل فيها المصالح. فمصر تعارض العديد من السياسات الإسرائيلية هناك، ولكن لديها أيضًا مصلحة واضحة في منع حماس، بوصفها حركة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، من استعادة السيطرة. وعلى الرغم من الخلافات حول خارطة طريق مجلس السلام المكونة من 15 بندًا لغزة، فإنه لا يزال من الممكن التنسيق بشأن دور القاهرة كدعم لوجستي خلال المراحل الأولى من إطار تدريجي يهدف إلى إيجاد بدائل لجزء من سكان غزة.
ما ينبغي على إسرائيل فعله
واعتبر التقرير أن الحفاظ على اتفاقيات السلام مع مصر والأردن يظل مصلحة إسرائيلية حيوية، حتى مع تسبب بعض سياساتهما في إثارة القلق.
وقال إنه ينبغي لإسرائيل تجنب أي خطوات من شأنها أن تدفع (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي أو الملك الأردني عبد الله الثاني إلى تبني مواقف أكثر حدة ضد إسرائيل تحت ضغط داخلي. وفي الوقت نفسه، عليها العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لإعادة فتح قنوات التواصل الدبلوماسية رفيعة المستوى، وطمأنة الحكومتين بشأن نوايا إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني.
وأوضح أنه ينبغي لإسرائيل أيضًا أن توضح، وخاصة لمصر، المخاطر طويلة الأمد المترتبة على التوغل العميق في فلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وقد يتمكن حلفاء إسرائيل في شرق المتوسط من تعزيز هذه الرسالة.
ويرى التقرير أن الروابط المتعلقة بالبنية التحتية لا تزال مصدرًا آخر للضغط. فعلى المدى القصير، يمكن أن تؤثر الترتيبات غير المحسومة على السلوك. أما على المدى الطويل، فإن زيادة اعتماد مصر والأردن على إسرائيل في مجالات البنية التحتية الرئيسية يخدم المصالح الاستراتيجية لإسرائيل.
لا تزال واشنطن ذات أهمية أيضًا. فحتى لو كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مترددًا في الضغط على الحكومات التي يعتبرها حليفة، لا يزال بإمكان الكونجرس أن يذكّر القاهرة وعمّان بشكل غير مباشر بأن حجم المساعدات العسكرية الأمريكية مرتبط بالتزامهما المستمر بالسلام مع إسرائيل.
وخلص التقرير إلى أن العلاقات باردة ومتوترة بشكل متزايد، لكنها لا تزال تستند إلى مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية متينة لدى إسرائيل أسباب قوية للحفاظ عليها.
https://www.jns.org/analysis/israels-cold-peace-with-egypt-and-jordan-faces-new-regional-strains

